الشيخ: علم التأثير، والثاني علم التسيير اللي هو سَيْر
النجوم، وما أشبه ذلك، والمذموم ما هو؟
طلبة:
التأثير.
الشيخ: المذموم علم التأثير، فإذن نقسِّم
التنجيم أولًا قسمين:
القسم الأول: علم التأثير، والقسم الثاني: علم التسيير؛
التسيير من السير، أما الأول وهو علم التأثير فإنه ينقسم أيضًا إلى ثلاثة أقسام؛
القسم الأول: أن يعتقد بأن هذه النجوم مُؤَثِّرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق
الحوادث، تخلق الحروب، تخلق الشرور، وما أشبه ذلك، فما حكم ذلك؟
طلبة: شِرْك.
الشيخ: هذا شِرْك أكبر؛
لأنه يجب أن نعتقد بأن مَن ادَّعَى أن مع الله خالقًا فهو مشرك شركًا أكبر، فعلى
هذا نقول: هذا مشرك شركًا أكبر؛ لأنه جعل المخلوق المسخَّر خالقًا مُسَخَّرًا،
والنجوم مُسَخَّرات مخلوقة، فكيف تجعلها خالقًا مُسَخِّرًا؟! إذن فهذا شرك أكبر
مُخْرِج عن الْمِلَّة.
القسم الثاني: أن يجعلها سببًا يَدَّعِي بها علم الغيب،
فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا، تقول: سيكون كذا
وكذا، ليش؟ ويش يدريك؟ قال: لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا.
هذا الإنسان ستكون
حياته حياة شقاء، ليش؟ لأنه وُلِدَ في النجم الفلاني، هذا ستكون حياته حياة سعادة؛
لأنه وُلِدَ في النجم الفلاني، إذن اتخذ مِن تَعَلُّم النجوم وسيلة لادعاء علم
الغيب، ودعوى علم الغيب حكمها؟
طلبة: كفر.
الشيخ: كفر، دعوى علم الغيب كفر، فنقول: هذا القسم الثاني أيضًا
يكون كفرًا مُخْرِجًا عن الملة؛ لأن كل مَن ادَّعَى علم الغيب فهو كافر، كيف كافر؟
لأن الله يقول في القرآن الكريم: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥] هذا حصر،
حصر مُسَوَّغ بالنفي والاستثناء، من أقوى أنواع الحصر، فعلى هذا نقول: مَن ادَّعَى
علم الغيب بحركات هذه النجوم وتنقلاتها، وما أشبه ذلك، فهو كافر، دليلنا؟
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، فإذا ادَّعَى علم الغيب فقد كَذَّب القرآن.
القسم
الثالث من علم التأثير: أن لا يَدَّعِي بها علم الغيب، ولا أنها خالقة فاعلة، ولكنه
يعتقدها سببًا لحدوث الشر أو الخير، فهذا مشرك شركًا أصغر، هو يقول: أنا ما
أَدَّعِي علم الغيب، لكن لما حدث هذا الشيء قلت: لأنه من النجم الفلاني، خدوا
بالكم، يعني هذا ما ينسب الشيء إلى النجوم إلا بعد؟
طلبة: وقوعه.
الشيخ: بعد وقوعه، ولا
يقول: إنها هي الفاعلة المؤثِّرة، لكن يقول: إنها سبب، فنقول: هذا من باب الشرك
الأصغر؛ إذ لا عِلْمَ لك بهذا الشيء، ولا نعلم أن الله تعالى جعل هذه الأشياء سببًا
لحدوث شر.
فإن قال قائل: هذا القسم الأخير ينتقض عليكم بما ثبت عن النبي صلى
الله عليه وسلم في قوله في الكسوف: «إِنَّ الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا
عِبَادَهُ» ، فمعنى ذلك أنهما علامة
إنذار، فما هو الجواب عن ذلك؟
الجواب عن ذلك أن ما ثبت أن له أثرًا فعلى العين
والرأس، نحن لا نقول إلا ما علمنا، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل: إن
لهما تأثيرًا في نزول العقوبة، وإنما قال: إنهما إنذار وتخويف، والإنذار والتخويف
ليس معناه أن العقوبة ستقع بسبب الكسوف، لكن ستقع بسبب المعاصي، وهذا من باب أيش؟
من باب الإنذار، ولهذا قال: «يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا
عِبَادَهُ»، ولم يقل: يعاقب الله بهما عباده -مثلًا- تخويف، وعلى هذا فلا
يرد علينا.
فالجواب إذن من وجهين؛ أولًا: إننا لا نسلِّم أن للكسوف تأثيرًا
في؟
طالب: في العقوبات.
الشيخ: في العقوبات والحوادث، من الجدب والحرب، وغير ذلك، ما له
تأثير، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُمَا لَا
يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ» ، لا
فيما مضى، ولا في المستقبل، وإنما يُخَوِّف الله بهما العباد تخويفًا لعلهم يرجعون،
هذا واحد.
الوجه الثاني: لو سَلَّمنا أن لهما تأثيرًا فإن النص قد دَلَّ على
ذلك، وما دَلَّ عليه النص فإنه يجب القول به، لكن الوجه الأول هو الأقرب؛ أننا لا
نُسَلِّم أصلًا أن لهما تأثيرًا في هذا؛ لأن الحديث لا يقتضيه، الحديث ويش
يقول؟
طالب: يُخَوِّف.
الشيخ: يُخَوِّف الله بهما عباده، إي نعم.
طالب: لا يقال يا شيخ..
الشيخ:
نعم.
طالب: قول الرسول: إن الله يقول: أصبح من أمتي
مؤمن بي وكافر.
الشيخ: نعم.
طالب: هذا ما يجعله شركًا أكبر؟
الشيخ: لا، هذا تقدم لنا أنه إن اعتقد أنه..
طالب: تأثير.
الشيخ: أن لها تأثيرًا
في نزول المطر بنفسها فهذا كفر أكبر، وإن اعتقده سببًا فهو كفر أصغر؛ لأنه أضاف
النعمة إلى سببها دون المسبب.
طالب: طيب
الإطلاق؟
الشيخ: لا، الإطلاق لا يحمل على التفصيل مما
دَلَّت عليه النصوص، هذا علم التأثير صار ينقسم إلى كم؟
طلبة: ثلاثة أقسام.
الشيخ: إلى ثلاثة
أقسام.
أما علم التسيير فإنه ينقسم أيضًا، فتارة يستدل بسيرها على مصالح دينية
أو دنيوية، فعلم هذا لا بأس به، وفيما إذا كان يُعِين على مصالح دينية واجبة يكون
تَعَلُّمُها واجبًا، مثل لو أراد أن يستدل بالنجوم على جهة القِبْلة، وأن النجم
الفلاني إذا صار يكون ثلث الليل قبلة، مثل ما يفعل العيون في مواقيتها، يقول: يكون
النجم الفلاني قبلة ربع الليل، يكون قبلة ثلث الليل، يكون.. إلى آخره، فهذا لا شك
أنه خير، وفيه فائدة عظيمة.
المصالح الدنيوية، تعلُّمها للاستدلال بها على
المصالح الدنيوية لا بأس به أيضًا، وهو نوعان؛ أحدهما: أن يستدل بها على الجهات،
فهذا جائز، كيف يستدل بها على الجهات؟ مثلًا يعرف أن القطب أين يقع؟ شمالًا، والجدي
وهو يدور حوله قريبًا منه أيضًا شمالًا، ونحن لا نشاهد إلا الجدي؛ لأن القطب
يقولون: إنه نجم خَفِيٌّ جدًّا ما يراه إلا حديد البصر في غير ليالي القمر، ونحن
نقول أيضًا: في غير البلدان اللي فيها الكهرباء، هذا القطب، لكن الجدي حوله قريب
منه، ولهذا يظن بعض الناس أن الجدي لا يتحرك عن مكانه، وهو يتحرك، لكن لقربه من
القطب دائرته ضيقة بإذن الله، النجوم على القطب تسير هكذا مثل الرحا تدور على
القطب، ولهذا الدب الأكبر اللي يسمونه الدب الأكبر، نحن نسميه بنات نعش الكبرى،
تدور عليه لكن ما تغيب إلا يمكن جزءًا بسيطًا، يمكن ما يخفى آخرها إلا وقد بَانَ
أولها.
وأما بنات نعش الصغرى التي تدور حول القطب فهي ما تغيب أبدًا، أنتم
شاهدوها الآن بنات نعش الصغرى تجدونها ما تَغَاب، تدور.
طالب: (...).
الشيخ: ها، ما هنا
إلا.. إن شاء الله يُيَسِّر.
طالب: يدور.
الشيخ: يدور إي، لكن ما يغيب.
طالب:
ولا السِّبَّع.
الشيخ: هنا السِّبَّع، لكن السِّبَّع
بعد (...)، والثلاثة الصغار هادولي ما يغابوا، يدورون ولا يغابون، شوفهن أول الليل
تجدهم -مثلًا- حسب عدد الفصول يمينًا في أول الليل تلقاهم في آخر الليل شمالًا، وفي
طرف بنات نعش الصغرى نجمان مضيئان يسميان الفرقدان، يقول الحريري في ملحته:
| .................... |
وَفَرْقَدَا السَّمَاءِ لَنْ
يَفْتَرِقَا |
يضرب بهما المثل في عدم التفارق، المهم
الاستدلال بِسَيْرِها على الجهات، فأقول: هذا لا بأس به لا بأس به من المصالح
الدنيوية؛ لقوله تعالى:
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦].
الثاني: الاستدلال بها على الفصول ما هو على
الجهات، وهو ما يُعْرَف بتَعَلُّم منازل القمر، فهذا كرهه بعض السلف، وأباحه آخرون،
والذين كرهوه قالوا: لأنه يُخْشَى إذا قيل: هذا النجم الفلاني إذا طلع فهو وقت
الشتاء، يخشى أن يظن العامة أنه هو اللي يأتي بالبرد، وهو اللي يأتي بالحر، وهو
اللي يأتي بالرياح، وما أشبه ذلك، فمن أجل هذا كره تَعَلُّمه بعض السلف، والصحيح
أنه لا يُكْرَه كما سيأتي إن شاء الله تعالى (...).
قتادة، ويش قتادة؟
طالب: ابن دعامة.
الشيخ: ابن دعامة
السدوسي، منين هو؟
الطالب: من التابعين.
الشيخ: من التابعين، (
قال قتادة: خلق الله هذه النجوم
لثلاث)، اللام هذه للتعليل، أي: لبيان العلة والحكمة، لثلاث ولَّا لثلاثة؟
طالب: لثلاث.
طالب آخر:
يصلح.
الشيخ: يصلح، لكن الثلاث أحسن، يعني: لثلاث
حِكَم، ولهذا أتى بالعدد مُذَكَّرًا؛ الأول: (
زينة للسماء)، قال الله تعالى:
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]، هذه واحدة، وكيف هي
زينة؟ لأن الإنسان إذا رأى السماء صافية في ليلة غير مقمرة وليس فيها كهرباء
كليالينا يجد لهذه النجوم من الجمال ما لا يعلمه إلا الله، يجد جمالًا عظيمًا
للسماء بها، فهي زينة عظيمة للسماء، فتكون كأنها غادة مُحَلَّاة بأنواع من الفضة
اللامعة، هذه نجمة مضيئة كبيرة تميل إلى الحمرة، وهذه تميل إلى الزُّرْقة، وهذه
خفية، وهذه متوسطة، وهذه تجدها ترتعش ارتعاشًا قويًّا، وهذه ترتعش ارتعاشًا خفيفًا،
وهذه ساكنة، هذا شيء مشاهَد، هذه زينة عظيمة للسماء، وإذا قُدِّر لأحدكم أن يسافر
ويكون في منطقة ما فيها شيء من الأنوار، في ليلة ليس فيها قمر، سيجد هذه الزينة،
هذه واحدة.
هل نقول: إن ظاهر الآية الكريمة أن النجوم مُرَصَّعَة في السماء، أو
نقول: إنه لا يستلزم ذلك؟
نقول: إنه لا يستلزم؛ لأن الله يقول:
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ [النحل: ١٢]، وقال في آية أخرى:
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [الأنبياء: ٣٣] يعني:
يدورون، كل له فلك، ولهذا أنا شاهدت بعيني أن القمر خسف نجمة من النجوم، أيش معنى
خسفها؟
طالب: غَطَّاهَا.
الشيخ: يعني غطاها، شاهدتها أظن قبل عامين في رمضان في آخر
رمضان، وهي من النجوم اللامعة الكبيرة، كان يقرب حولها في آخر الشهر، ثم بإذن الله
عند قرب الفجر غَطَّاهَا مرة وإذا ما نراها.
إذن هي في أفلاك متفاوتة في
الارتفاع والنزول، ولا يلزم أن تكون مُرَصَّعة في السماء.
فإذا قال قائل: كيف
يقول الله:
زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا [الملك: ٥]؟
قلنا: لا يلزم من تَزْيِين الشيء بالشيء أن يكون ملاصقًا له، أرأيت لو أن
رجلًا عمر قصرًا، وجعل حوله ثُرَيَّات من الكهرباء كثيرة وجميلة، وهي حول القصر
وليست على جدرانه، فالناظر إلى القصر من بعيد يرى أن هذه الثريات زينة له، وأنه
تجمل بها وإن لم تكن مرصعة حوله.
أنا ذكرت ذلك وإن كان قد يقال: إنه من فضول
الكلام أخشى في يوم من الأيام أن يثبت لدى الناس أنهم وصلوا إلى شيء من هذه النجوم،
ثم يبقى الإنسان في حيرة كيف يصلون إليها وهي مُرَصَّعة في السماء، مع أن السماء ما
استطاع أشرف الملائكة وأشرف الإنس؛ محمد وجبريل عليهما الصلاة والسلام أن يَلِجَا
إلى هذا السماء إلا باستئذان، والله عز وجل يقول :
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا؟
طلبة: مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢].
الشيخ: مَحْفُوظًا، فلهذا الإنسان
يستعد لأمثال هؤلاء الذين يأتون بمثل هذه العلوم ليشككوا المسلمين فيما استقر في
فِطَرِهم وعقولهم مما جاء به دينهم.
ثانيًا:
رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥]، الشياطين هنا شياطين الجن وليسوا شياطين الإنس،
شياطين الإنس ما وصلوها، لكن شياطين الجن يصلونها؛ لأن شياطين الجن أقدر من شياطين
الإنس، قال الله تعالى عن عملهم:
وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ [ص: ٣٧] لمن؟ لسليمان،
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِإلى آخره [ص: ٣٨]، و
قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّلسليمان،
أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩]، منين؟ من سبأ إلى الشام،
قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ، وهو عرش عظيم، عرش ملكة سبأ، يأتيه قبل أن يقوم من مقامه، ويش
يدل عليه؟ قوتهم وسرعتهم ونفوذهم.
وحَدَّثَنَا أحد الأساتذة هنا عندنا في
الكلية عن جماعة من الإندونيسيين يدرسون في كلية الدعوة يقولون: عندنا في إندونيسيا
يستخدمون الجن بدون أن يُشْرِكُوا أو يعصوا الله بالوصول إلى استخدامها، حتى إن
بعضهم قد فتح ورشة ما يعمل فيها إلا الجن. قلنا: كيف هذا؟ قال: نعم، يحضر الموادّ
ويتكلم معهم: اصنعوا كذا، اصنعوا كذا، يبدؤون يصنعون وما يشافون.
طالب: مؤمنون أم كافرون؟
الشيخ: لا،
مؤمنون، ويقول: إنهم مؤمنون ويذكرون الله، ولا يمكن يطلبون منه شيئًا يغضب الله
أبدًا.
طالب: (...).
الشيخ:
ها.
طالب: (...).
الشيخ:
(...) ما ندري عنهم، المهم أنه على كل حال أنا قلت للي قال كل الطلبة اللي عندنا من
إندونيسيا قالوا هكذا، ويقول: إنهم ثقات، وكان يطلب كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية
في هذا الموضوع أظن أشرنا إليه من قبل. نعم، ذكره في
الفتاوي وفي
النبوات
عن استعانة الإنس بالجن، فالشياطين هؤلاء لهم قوة نافذة عظيمة، قال الله تعالى
عنهم:
وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا [الجن: ٩].
طلبة: مَقَاعِدَ [الجن: ٩].
الشيخ: مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ [الجن: ٩] معينين أماكنهم في السماء
فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا [الجن: ٩].
طالب: طيب يا شيخ معني قال..
الشيخ:
نعم.
الطالب: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل: ٤٠].
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: اللي قال:
آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا
من الجن؟
الشيخ: إي نعم، لا
قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ [النمل: ٣٩].
الطالب: لا، اللي بعده.
الشيخ:
الثاني: لا، هذا يقولون: إنه رجل صالح، وكان عنده -كما ذكروا- يعرف اسم الله الأعظم
سبحانه وتعالى الذي إذا دُعِيَ به أجاب، فدعا الله باسمه الأعظم أن يُحْضِرَه
فحملته الملائكة، والملائكة أقوى من الجن بلا شك وأسرع نفوذًا، تصعد إلى حيث أراد
الله عز وجل في السماوات كلها.
طالب: بالنسبة للجن إذا
نقلت (...) تنقله بحقيقته أو تخفيه ثم..؟
الشيخ: والله
هذه ما أعرف، ولكن الظاهر والله أنها تطير به.
الطالب:
تطير به؟
الشيخ: إي؛ لأنها لو هي تمشي به على الأرض كان
يطخطخ في الناس مع الجدران.
الطالب: (...) تخفيه
ثم..
الشيخ: لا، حقيقة، تحمل هذا الشيء بعينه.
طالب: يكون مُعَلَّقًا في الهواء يعني؟
الشيخ: تطير به وتوزعه، فهذا العفريت بيشيله جميعًا، بيشيل العرش
وبيجيبه على طول قبل أن يقوم من مقامه ويروح عنده، سبحان الله العظيم!
جعلها
الله
رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ [الملك: ٥] يرجمهم بها،
أي: يرميهم بها، والرجم الرمي.
وقوله: (
وعلامات يهتدى بها)، منين
تُؤْخَذ؟ من قوله تعالى:
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) [النحل: ١٥]،
وَعَلَامَاتٍ [النحل: ١٦] ألقى فيها
علامات كثيرة، فالعلامات بالرواسي؛ بالجبال، والعلامات بالأنهار، والعلامات
بالسُّبُل؛ بالطرق، والعلامات بالأرض وطبيعتها، ولهذا يقولون: النفوذ الفلاني هو
فيه القرية الفلانية، وكذلك الأودية وغيرها، فقوله:
وَعَلَامَاتٍيشمل كل ما جعل الله في الأرض من
علامة.
الرابع: العلامة الأفقية، كل ها الثلاثة هادولي علامات أرضية، العلامة
الأفقية.
طالب: وَبِالنَّجْمِ.
الشيخ: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: ١٦]، بالنجم وهو اسم
جنس يشمل كل ما يهتدى به، ولا يختص بنجم معين؛ لأن لكل قوم طريقة في الاستدلال بهذه
النجوم على الجهات،
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَيعني يستدلون به على الجهات، وهذا من نعمة الله عز وجل؛ لأنه في الليل ما تشاهد
جبالًا ولا أودية من بُعْد، ولا رملًا، ولا غيره، لكن عندك أشياء علوية ما يحجب
دونها شيء، وهي؟
طالب: النجوم.
الشيخ: النجوم،
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، وهذه من تسخير الله سبحانه وتعالى، ما في السماوات وما في
الأرض لنا فهو فرد من أفراد قوله:
وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ [الجاثية: ١٣]،
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ، يهتدون على
أيش؟ على الجهات، سواء لجهة القبلة أو لجهة المكان الذي يريدون في بَرٍّ أو في بحر،
إي نعم، وهذه البوصلة، الآن البوصلة التي يُسْتَدَلّ بها على محل القطب، في أي
الأنواع الأربعة تدخل؟
طلبة: الأرضية.
الشيخ: هي قسمان: أرضية وعلوية، لكن في أي الأنواع
الأربعة؟
طالب: العلوي.
الشيخ: ها؟
طلبة: العلوية.
الشيخ: العلوية؟
طالب: إي
نعم.
الشيخ: أو بعلامات؟
طالب: علامات.
الشيخ: بالأول
علامات.
طالب: (...) على القطب.
الشيخ: إي، بس عاد ما أدري تعلقها هو بالقطب النجم..
الطالب: لا، القطب الشمالي.
الشيخ:
إي، هو القطب الشمالي، السماء فيها قطبان: شمالي وجنوبي، أو أن المراد بالقطب محور
الأرض الشمالي.
طالب: المراد.
الشيخ: ها، إذا كان كذلك.
طالب: هو
هذا.
الشيخ: هو هذا، إذا كان كذلك فإنه يكون داخلًا في
قوله:
وَعَلَامَاتٍ،
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ،
وَعَلَامَاتٍهذه من
العلامات. (...)
الشيخ: إلى؟
طلبة: قسمان.
الشيخ: قسمان رئيسيان،
وكل واحد منهما ينقسم إلى أقسام.
قال المؤلف، شرحنا قول قتادة إلى قوله:
(
وعلامات يهتدى بها).
قال: (
وكَرِهَ قتادة تَعَلُّم منازل القمر)،
قتادة كره تعلم منازل القمر، واعلم أن الكراهة في الكتاب والسنة تكون في
الْمُحَرَّم، وقد تكون فيما هو أكبر من الْمُحَرَّم كالشرك، ولا تستعمل في المكروه
المصطلَح عليه، أما عند عامة الفقهاء المتأخِّرين فيريدون بالكراهة غير
الْمُحَرَّم؛ لأن الْمُحَرَّم ما نُهِيَ عنه على سبيل الإلزام بالترك، والمكروه ما
نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، فيفرقون بين الكراهة -الفقهاء المتأخرون-
وبين التحريم.
أما في القرآن والسنة وما جاء عن السلف فالكراهة عندهم بمعنى
التحريم.
قال الله سبحانه وتعالى:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: ٢٣]،
ثم ذكر منهيات كثيرة، ثم قال:
كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء: ٣٨].
طالب: كل ما جاء في الكتاب والسنة بالكراهة فالمراد به
التحريم.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن قول الرسول:
«وَكَرِهَ لَكُمْ
قِيلَ وَقَالَ» .
الشيخ: إي نعم، هذا حرام.
الطالب:
حرام؟
الشيخ: إي نعم، فأما ما يذكره الفقهاء فإنه
للتنزيه، كراهة تنزيه.
قال: (
وكره قتادة تعلُّم منازل القمر)، وهذه كراهة
تحريم بناء على القاعدة المعروفة عند أهل العلم، أن الكراهة في عُرْف المتقدمين
لأيش؟ للتحريم.
وتعلُّم منازل القمر يحتمل أنه معرفة منزلة القمر الليلة يكون في
الشرطين، يكون في الزباني، يكون في الإكليل، يكون في كذا منزلته، ويحتمل أنه تعلُّم
منازل النجوم، يعني يخرج النجم الفلاني في اليوم الفلاني، ومعلوم عند العامة أن هذه
النجوم جعلها الله تعالى أوقاتًا للفصول؛ لأنها ثمانية وعشرون نجمًا؛ أربعة عشر
منها يمانية، وأربعة عشر شمالية، فإذا حلت الشمس في المنازل الشمالية صار الحر،
وإذا حلت في الجنوبية صار البرد، ولذلك من علامة دُنُوّ البرد خروج سُهَيْل، وهو من
النجوم اليمانية، فقتادة كره تعلُّم منازل القمر، قلت: إنه يحتمل أن المراد بذلك
أيش؟ معرفة منازل القمر كل ليلة؛ لأن القمر ينزل كل ليلة منزلًا حتى يتم ثمانية
وعشرين، في التاسع والعشرين وفي الثلاثين يكون مُسْتَسِرًّا، يعني معناه أنه لا
يظهر في الغالب.
قال : (
ولم يرخص فيه ابن عيينة)، مَن هو ابن
عيينة؟
طالب: سفيان.
الشيخ:
سفيان بن عيينة، هذا الإمام المشهور معروف، ما رخص في تعلُّمه، وهذا يوافق قول
قتادة في كراهته، ولكن (
ذكره حرب عنهما)، حرب هو صاحب الإمام أحمد، وقد روى
عنه مسائل كثيرة طُبِعَت أخيرًا، (
ورخص في تعلُّم المنازل أحمد وإسحاق)،
أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهَوَيْهِ، ويقال: راهُويَه، كل هذه الكلمات المركبة يقال
فيها على هذا الوجه: راهَوَيْهِ راهُويَه، سيِبَوَيْهِ.
طالب: سيبويه.
الشيخ: وسيبُويَه،
ونفْطَوَيْه.
طالب: نفطُويَه.
الشيخ: ونفطُويَه، هكذا ذكروا أن فيها لغتين، رَخَّصُوا في
تعلُّمها، والصحيح أنه لا بأس به، لا بأس بتعلم منازل القمر؛ لأن ذلك ليس فيه شرك،
نعم إن تعلَّمها ليضيف إليها نزول المطر، وحصول البرد، وأنها هي الجالبة لذلك، فهذا
نوع من الشرك، أما مجرد أن يعرف به الوقت، وأننا الآن في وقت الخريف، أو في وقت
الشتاء، أو في وقت الصيف، هذا لا بأس به.
طالب: أقول يا
شيخ: بالنسبة (
كره قتادة، ولم يُرَخِّص فيه ابن عيينة) ما نفرق بين الكراهة
وعدم الترخيص؟ لأن الكراهة قد لا تتعدى إلى غيرها، الترخيص يتعدى إلى
غيره.
الشيخ: لا، أبدًا ما بينهما فرق؛ لأن الكراهة لو
كان قتادة من المتأخرين قلنا: يرى أنها كراهة تنزيه، وأنه يُرَخّص فيها، لكن الأفضل
عدمه.
طالب: لكن بعضهم يقول: أكره كذا وأكره
كذا.
الشيخ: إي.
طالب: هو
من هذا الباب يا شيخ؟
الشيخ: من هذا الباب، المتقدمين،
ولهذا الإمام أحمد إذا قال: أكره كذا، قال أصحابنا: إنه يعني التحريم، إي
نعم.
ثم قال: (
وعن أبي موسى) يعني الأشعري عبد الله بن قيس، (
قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ»)، الجنة هي الدار التي أَعَدَّهَا الله تعالى للمتقين،
وسُمِّيَت بذلك لكثرة أشجارها؛ لأنها تُجِنُّ مَن فيها، أي تستره، مَن هم؟ (
«مُدْمِنُ الْخَمْرِ» )،
مدمن الخمر أي مُدِيمُه، أي: الذي يشرب الخمر كثيرًا، وما هو الخمر؟ الخمر حَدَّهُ
النبي عليه الصلاة والسلام بقوله:
«كُلُّ مُسْكِرٍ
خَمْرٌ» ، هذا الخمر، كل ما أسكر
فهو خمر، ومعنى أسكر يعني غَطَّى العقل على سبيل اللذة والطَّرَب، وليس كل ما غطى
العقل فهو خمر، فالبانجو مثلًا خمر ولَّا لا؟ ليس بخمر، ولو شرب الإنسان دهنًا
فأُغْمِيَ عليه فليس ذلك بخمر، إنما الخمر هو الذي يُغَطِّي العقل على وجه اللذة
والطرب، تجده نشوان يُحِسُّ بأنه في منزلة عالية رفيعة، وأُبَّهَة وعظمة وملك
وسيادة، وما أشبه ذلك، قال الشاعر:
| وَنَشْرَبُهَا -أي الخمر- فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا |
..............................
|
ملوكًا يعني أن الواحد يتخيل أنه ملك، وانظر إلى قول
حمزة للنبي صلى الله عليه وسلم، ها.. أيش قال؟
هل أنتم إلا عبيد أبي؟ تخيل أنه
وين؟ أنا سيد وكبير، فهذا هو -والعياذ بالله- الخمر الذي يُغَطِّي العقل على سبيل
اللذة.
ومعنى مُدْمِنها، قلنا: مُدِيمُها.
حكم الخمر؟
مُحَرَّم بالكتاب
والسنة وإجماع المسلمين، ومَن اسْتَحَلَّه فهو كافر، إلا إذا كان ناشئًا ببادية
بعيدة، أو حديث عهد بإسلام ولا يدري عن الحكم الشرعي في ذلك فإنه يُعَرَّف ولا يكفر
بمجرد إنكار تحريمها.
الثاني: (
قاطع الرحم)، الرحم هو القرابة.
ما أخذ
تقديم وتأخير، قاطع الرحم أنا عندي قاطع الرحم مقدَّمة، الرحم هم القرابة، قال الله
تعالى :
وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال: ٧٥]، وليس الرحم كما يفهمه العامة؛ الصهر،
العامة إذا قالوا: رحيمي، يعني قريب زوجتي، وهذا ليس بصحيح، مثل ما يسمون والد
الزوجة عم، وبعضهم يسميه خال، هذا ليس بصحيح وغلط، ولا ينبغي أن يسمى عمًّا ولا
خالًا؛ لأن هذا تسمية غير شرعية، ويترتب عليها حكم شرعي، يجي لَمَّك واحد يقول: قال
لي عَمِّي، وقال لي خالي، وما أشبه ذلك، فتظن أنه أخو أبيه أو أمه، ولهذا ينبغي أن
الإنسان إذا سُئِل عمي خالي إنه يقول: ويش هو عمي؟ خوفًا من هذه اللغة
العرفية.
ما معنى قطع الرحم؟ قطع الرحم ألَّا يصله، والصلة جاءت مُطْلَقَة في
الكتاب والسنة غير مُقَيَّدة،
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ [الرعد: ٢١]، ومنه الأرحام، فهل إذا لم تقيَّد
تتبع أيش؟
طلبة: العرف.
الشيخ: تتبع العرف.
| وَكُــــــــلُّ مَــــــــا أَتَى وَلَمْ
يُحَــــــــــدَّدِ |
بِالشَّرْعِ كَالْحِرْزِ فَبِالْعُرْفِ
احْدُدِ |
هذه القاعدة المعروفة عند أهل العلم وينبني
عليها مسائل كثيرة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في رسالة؛ أن ما أُطْلِق في الشرع
فمرجعه إلى العُرْف، فهنا صلة الرحم ما قُيِّدَت، ما قيل: بألا تتغدى إلا معهم، ولا
تتعشى إلا معهم، ولا تشبع وهم جياع، ولا تكتسي وهم عراة، وما أشبه ذلك، ما قيل
هكذا، إذن نرجع فيه أيش؟ إلى العُرْف، فإذا كان الناس في زمن الجوع والفقر
فصِلَتُهم أن يعطيهم دائمًا ويلاحظهم بالأكل والكسوة وما أشبه ذلك، وإذا كنا في زمن
غِنى في سعة ورغد فلا يلزم أن نفعل ما نفعله في حال الجوع والفقر.
كذلك أيضًا
الأقارب ينقسمون إلى بعيد وقريب؛ فأقربهم ليس كأبعدهم، أقربهم يحتاج إلى صلة أكثر،
ثم الأقارب أيضًا ينقسمون إلى قسمين من جهة أخرى: قسم من الأقارب يرى أن لنفسه
حقًّا ويشرح عليك يبغيك دائمًا تصله، وقسم آخر من الأقارب يُقَدِّر الظروف ويُنْزِل
الأشياء منازلها، ويعذر بعض العذر، فهذا له حكم، وذاك له حكم.
والمهم أن الله
سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما قَيَّدَا الصلة بشيء معين، وعلى هذا
فيرجع فيها إلى العُرْف، القطيعة أيضًا يُرْجَع فيها إلى العُرْف، إلا أنه
يُسْتَثْنَى من ذلك مسألة وهي: ما لو كان العُرْف عدم الصلة مطلقًا، بأن كنا في أمة
تشتتت وتقطعت عرى صلتها، وتفكَّكت أُسَرُها كما يعرف الآن في البلاد الغربية
وغيرها، فإنه لا نتبع العُرْف هنا، لماذا؟ لأنه ليس في العُرْف صلة إطلاقًا، فلا
نقول: لما كان العُرْف لا يعرف الصلة ما عاد انقطع حكم الصلة، بل نقول: لا بد من
صلة، فإذا كان هناك صلة معروفة في العُرْف اتبعناها، وإذا لم يكن صلة أصلًا فلا
يمكن أن نُعَطِّل هذه الشريعة التي أمر الله بها ورسوله، فلا بد أن نصل، ثم اعلم
أيضًا أن صلة الرحم ليس معناها أن تصل مَن وصلك، لماذا؟ لأن صلة مَن وصلك ليست صلة،
ما هي؟
طالب: مكافأة.
الشيخ: هذه مكافأة، الإنسان يصل أبعد الناس عنه إذا وصله، إنما
الصلة أو الواصل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
«مَنْ
إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» ، هذا
الواصل حقًّا، هذا الذي يريد وجه الله والدار الآخرة، أما رجل والله لما أعطاه
قريبه ثوبًا وغترة وسروالًا ومشلحًا راح وأعطاه مثله، نقول: هذا مكافئ، فأنت صِلْ
أقاربك وإن قطعوك، حتى تكون صلتك لله عز وجل لا للمكافأة.
طالب: ولكن صلة الرحم هل هي حق لله أو حق للآدمي (...)؟
الشيخ: الظاهر أنها حق للآدمي، حق للآدمي أكثر.
الطالب: قد يعذر القريب يقول: (...).
الشيخ: إي حق، إي نعم هي حق لله، أمر الله بها لحق
الإنسان.
الطالب: يعني لو عذر..
الشيخ: فإذا عذره وأسقط حقه فلا حرج، لكن ينبغي مع ذلك أن يصل؛
لأنه قد يعذره حياءً وما أشبه ذلك، يصل ولو بعض الشيء.
قال: (
«وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ» )،
المؤلف رحمه الله ساق هذا الحديث في باب التنجيم؛ لأنه يرى أن المراد بالسِّحْر هنا
نوع منه، وهو التنجيم؛ لأنه سبق لنا
«مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً
مِنَ النُّجُومِ فَقَدِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ، زَادَ مَا
زَادَ» ،
وسبق الحديث وبيان صحته، وعلى هذا فالمؤلف رحمه الله حمل السِّحْر هنا على أيش؟ على
التنجيم، والْمُصَدِّق به هو الْمُصَدِّق بما يخبر به المنجِّمون، فإذا قال
الْمُنَجِّم: إنه سيكون كذا وكذا صدَّق، فهذا لا يدخل الجنة؛ لأنه صدَّق بعلم الغيب
لغير الله، وقد قال الله تعالى:
قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥].
ولكن
لو قال لنا قائل: اجعلوا السِّحْر هنا عامًّا يشمل التنجيم وغير التنجيم.
قلنا:
إذا جعلناه عامًّا فما معنى الْمُصَدِّق بالسِّحْر؟ هل المعنى: الْمُصَدِّق بما
يخبره به السحرة من أمور الغيب؟ نقول: نعم، وهذا معنى صحيح، وأما الْمُصَدِّق بأن
للسحر تأثيرًا فهذا لا يلحقه هذا الوعيد؛ لأن السِّحْر لا شك أن له تأثيرًا، لكنه
تأثير في التخيل ولا يقلب الأشياء، فمثلًا قد يسحر الإنسان أعين الناس فيرون الحصى
ذئابًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن مثلما سَحَرَ سحرة فرعون الناس حتى رأوا؟
طالب: الحبال.
الشيخ: الحبال
والعِصِيّ كأنها حيات تسعى، وقد يسحر أعين الناس الساحر فيشاهدونه يطير في الهواء،
وهو لا يطير، نصدق بهذا التأثير؛ لأن هذا أمر واقع إننا نشاهد هذا وإن كان لا حقيقة
له، ولكننا أثّر على أعيننا، ويسحر الساحر شخصًا فيجعل في قلبه مودة فلان أو بُغْض
فلان، يؤثِّر ولَّا لا؟
طالب: يؤثِّر.
الشيخ: يؤثِّر، قال الله تعالى:
فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: ١٠٢]، هذا التصديق بأثر السحر على هذا الوجه هذا لا
يدخل في الوعيد؛ لأنه تصديق بأمر واقع، والتصديق بالأمر الواقع ما فيه وعيد، من
صَدَّق بأن السحر يؤثِّر في قلب الأعيان بحيث يجعل الذهب خشبًا، أو الخشب ذهبًا، أو
ما أشبه ذلك فإن هذا لا شك أنه يدخل في هذا الوعيد، السبب؟ لأن قلب الأعيان لا يقدر
عليه إلا الله عز وجل، فعلى هذا لا يجوز التصديق به.
فصار مُصَدِّق بالسحر لنا
فيها وجهان؛ الوجه الأول: أن نذهب إلى ظاهر ما ذهب إليه المؤلف، وهو أن نجعل السحر
خاصًّا في نوع، وحينئذ يكون التصديق به إن كان فيما يتعلق بأمور الغيب، أو التصديق
بأنهم يستطيعون قلب الأعيان، فهذا يدخل في الوعيد ولَّا لا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: يدخل في
الوعيد، أما إذا كان التصديق بالسحر بمعنى أننا نصدِّق بأنه يؤثِّر عداوة وولاية،
محبة وبُغْضًا، مرضًا وعافية، حركة ساكن أو سكون متحرك، نعم تخييل أن هذا الشيء شيء
آخر فهذا أمر؟
طالب: واقع.
الشيخ: واقع، ولا يدخل في الحديث، نرجع الآن إلى قوله:
«ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» هل المراد الحصر وأن
غيرهم يدخل؟
طلبة: لا.
الشيخ: الجواب: لا؛ لأن هناك غيرهم أيضًا لا يدخلون الجنة.
ثانيًا: هل هؤلاء كفار؟ لأنه قال: لا يدخلون الجنة، ومَن لا يدخل الجنة فهو
كافر.
اختلف أهل العلم في هذه المسألة، وفيما يشبه هذا الحديث من أحاديث
الوعيد؛ لأن فيه أحاديث على هذا النمط، فمذهب الخوارج والمعتزلة ومَن شاكلهم يأخذون
بأحاديث الوعيد، ونصوص الوعيد، ويرون أن أمثال هؤلاء؟
طالب: كفار.
الشيخ: كفار، هذا رأي
الخوارج، ورأي المعتزلة أنهم في منزلة بين منزلتين لكنهم مُخَلَّدُون في النار،
فيُجْرُون هذا الحديث على ظاهره، ولا ينظرون إلى الأحاديث الأخرى الدالة على أن مَن
في قلبه إيمان فإنه لا بد أن؟
طالب: يدخل
الجنة.
الشيخ: يدخل الجنة، هذا رأي.
الرأي الثاني:
أن هذا الوعيد وهو انتفاء دخول الجنة لمن استحل ذلك.
الرأي الأول فَنَّدْنَاه
ولَّا أثبتناه؟
طالب: فَنَّدْنَاه.
الشيخ: فَنَّدْنَاه بأي شيء؟ بالنصوص الكثيرة الدالة على أن مَن
في قلبه إيمان، فلا بد أن يدخل الجنة.
الرأي الثاني: يقولون: هذا فيمن استحل هذا
الفعل، وهذا الرأي ليس بصواب؛ لأن مَن استحله وإن لم يفعله؟
طالب: فهو كافر.
الشيخ: فهو كافر،
اللي يستحله لو ما فعله يكون كافرًا، من استحل قطيعة الرحم أو استحل الخمر أو استحل
إدمان الخمر فهو كافر، لو ما شرب ولو ما قطع، وكذلك مَن استحل التصديق بالسِّحْر
فيما يكفر بالتصديق فيه فإنه كافر وإن لم يُصَدِّق، إذن هذا القول صح ولَّا
لا؟
طالب: غير صحيح.
الشيخ:
غير صحيح، حمل الحديث على الْمُسْتَحِلّ غير صحيح.
الوجه الثالث: أن هذا من باب
أحاديث الوعيد التي تَمُرّ ولا يُتَعَرَّض لمعناها، نقول: هكذا قال الله، ونسكت،
هكذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسكت.
فمثلًا:
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣) [النساء: ٩٣]، نقول: هذه الآية؟
طالب: من
الوعيد.
الشيخ: من نصوص الوعيد فنؤمن بها، ولا نتعرض
لمعناها أو معارضتها للنصوص الأخرى، ونقول: هكذا قال الله، والله أعلم بما أراد،
وإلى هذا ذهب كثير من السلف كمالك وغيره، وقال: ما نتكلم فيها، نقول: هكذا قال
الله، وهكذا قال رسول الله، ولا نتكلم، ونقول: نطلق أنه لا يدخل الجنة الْمُدْمِن
والقاطع والْمُصَدِّق بالسحر.
الوجه الرابع: أن نقول: هذا نفي مُطْلَق، كذا؟
والنفي الْمُطْلَق يُحْمَل على الْمُقَيَّد، فيقال: لا يدخلون الجنة دخولًا مطلقًا،
يعني: لا يسبقه عذاب، ولكنهم يدخلون الجنة دخولًا يسبقه عذاب بقدر الذنوب، ويقولون:
ذهبنا هذا المذهب لأجل أن نكون فاهمين للنصوص ما نُمِرُّها هكذا ولا نتعرض، بل
نتعرض، ونقول: إن نصوص الشرع يُصَدِّق بعضها بعضًا، ويلائم بعضها بعضًا.
وعلى
هذا فنقول: دخول الجنة ينقسم إلى قسمين: دخول مطلق لم يسبق بعذاب، ودخول مُقَيَّد
سُبِقَ بعذاب، فما المراد بقوله: (لا يدخلون) هنا؟
طلبة: المطلق.
الشيخ: النفي المطلق
ولَّا الْمُقَيَّد؟ الْمُقَيَّد، يعني: لا يدخلونها دخولًا غير مسبوق بعذاب، بل لا
بد أن يُعَذَّبُوا، ثم مرجعهم إلى الجنة، ولا شك أن القول الذى قبله أبلغ في الزجر؛
أن نقول: هكذا قال الله، هكذا قال رسول الله، ولا نقول شيئًا، أنت على خطر ألَّا
تدخل الجنة، على خطر أيها القاتل أن تكون مُخَلَّدًا في النار، وهكذا، نقول: هذا
قول الله، ولا نتعرض له، والقول الأخير أقعد، يعني أقرب إلى القواعد وأَبْيَن
وأوضح، حتى لا تبقى دلالة النصوص مُجْمَلَة هكذا، فتُقَيَّد النصوص بعضها ببعض.
طالب: قوله: لا يدخلون الجنة.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الأخير
أنها..
الشيخ: إي نعم، هو ظاهرها العموم؛ لا يدخلون
مطلقًا، لكن نقول: لا، النصوص الأخرى دَلَّت على أن مُدْمِن الخمر ما دام معه إيمان
فلا بد أن يدخل الجنة، هكذا جاءت النصوص واضحة.
طالب:
يعني قول مالك (...).
الشيخ: هو أبلغ في الزجر
وأَهْيَب، والإنسان اللي نقول له ها الكلام لا شك أنه يهابه، وأنه على خطر، لكن هذا
أقعد في الحقيقة؛ لأننا ماذا نعمل بالنصوص الأخرى الدالة على أنه لا بد من دخول
الجنة لمن كان في قلبه إيمان وإن زنا وإن سرق
،
كما في حديث أبي ذر، وهذا أفقه وأقعد، وذاك أَزْجَر وأبلغ في الزجر.
لو قال لنا
قائل: إن هذا قد يدل على أن مَن كانت هذه حاله فإنه يُخْتَم له بسوء الخاتمة حتى
يموت على الكفر، ويصير هذا الوعيد باعتبار ما يؤول حاله إليه، تصوروا هذا.
يعني
لو قال قائل: إن مثل هذه النصوص اللي فيها هذا الوعيد أن مَن فعل هذا فإنه حَرِيٌّ
بأن يُخْتَم له بسوء الخاتمة حتى يموت على الكفر، وحينئذ فلا يبقى في المسألة
إشكال، إذا مات على الكفر هو ما هو بداخل الجنة، وإذا مات على الكفر فهو أيضًا
يُخَلَّد في النار، وربما يُؤَيِّد هذا قوله عليه الصلاة والسلام:
«لَا يَزَالُ الْمَرْءُ فِي فَسَحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ
دَمًا حَرَامًا» ، فيكون هذا الاحتمال معنى
خامسًا، إحنا كنا ذكرنا أربعة معاني فيكون هذا الاحتمال معنى خامسًا؛ إنه يحتمل أن
يكون هذا الوعيد على هذه المعصية المعينة سببًا لسوء الخاتمة التي يُحْرَم بها من
دخول الجنة، ويبقى النفي على عمومه في قوله:
«لَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ» ولَّا
لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا
يدخلون، باعتبار أن هذا يكون سببًا لسوء الخاتمة -والعياذ بالله- على كل حال هذا
الحديث واضح أنه شاهد الترجمة، منين نأخذه؟ من قوله:
«وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ»، فإننا إن فَسَّرْنَا السحر بعلم
النجوم فالأمر ظاهر، وإن قلنا: هو عامٌّ فإنّ علم النجوم؟
طالب: داخل.
الشيخ: داخل فيه،
نعم.
طالب: ما يقال: إن النصوص مثل قول الرسول صلى الله
عليه وسلم:
«يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ
مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» ،
لكن هؤلاء (...).
الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأنه لا بد أن
يكون في قلبهم إيمان هؤلاء، إلا على طريق المعتزلة والخوارج.
طالب: شيخ، إذا قلنا: إن الدخول المراد به الدخول المطلق؟
الشيخ: نعم.
الطالب: ألسنا
نقول هذا في جميع المعاصي؟
الشيخ: إلا.
الطالب: حتى في الصلاة؟
الشيخ: لا،
الصلاة ما ورد فيها مثل هذا، ورد فيها كفر.
الطالب:
نعم، لكن قصدي ما يدخل دخولًا مطلقًا، لا بد يسبقه هذا الفعل.
الشيخ: (...) صلاة؟
الطالب: لا، جميع
المعاصي فيكون..
الشيخ: كل -مثلًا- ما ورد فيها مثل هذي
اللي ورد فيها مثل هذي، وهو ما يخرج من الإيمان بهذا الفعل، يقال فيه هذا
القول.
الطالب: إذن لا يكون للحصر فائدة، ثلاثة لا
يدخلون الجنة.
الشيخ: دائمًا الحصر يكون على ها الصورة،
حتى فيه ثلاثة لا يدخلون الجنة غير هذا، و
«ثَلَاثَةٌ لَا
يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ» .
الطالب: حتى في غير الوارد -مثلًا- لا نقول يا شيخ هذا
بأن..
الشيخ: لا، المعاصي اللي ما رتب عليها دخول النار
بذاتها ما نقطع بأنه يدخل النار؛ لأنها تكون غالبًا من الصغائر، والصغائر
مُكَفَّرَة بالحسنات.
طالب: يقولون: فيه ناس يا شيخ
يقولون: لو ما يصلي لصار ما أشرك، ما يُخَلَّد في النار؟
الشيخ: لا، يُخَلَّد، الكافر مُخَلَّد في النار لا شك فيه،
أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) [البقرة: ٢٤]، وحديث جابر
أيضًا:
«بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ
تَرْكُ الصَّلَاةِ» في مسلم
، فجعل ترك الصلاة من الشرك؛ لأنه مو معنى
الشرك أنك تسجد لصنم، ما هو بهذا، حتى تحليل ما حَرَّم الله، وتحريم ما أحل الله من
الشرك كما هو معروف.
طالب: طيب لو يترك الصلاة، يعني
تهاوَن.
الشيخ: هذا هو، هذا يكفر، هذا اللي نحن نقرره
ونؤكد عليه.
طالب: معروف (...) شرك.
الشيخ: هذا الرجل ما أشرك بالله، لكن جَحَد ما أنزل الله، ويش
يصير؟
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، قال: الصلاة ما هي فريضة؟
الطالب: كافر.
الشيخ: كافر، وهو ما
أشرك.
طالب: قاطع الرحم، يعني تارك الصلاة لو قاطعته
وكان أقرب الناس، هل فيه إثم عليّ؟
الشيخ: لا أبدًا، ما
فيه إثم، تارك الصلاة؛ لأنه يجب أن يُعْدَم، لكن ما هو مثل الكافر الأصلي، الكافر
الأصلي تَصِلُه لقرابته، لكن تارك الصلاة يجب أن يُعْدَم ما يبقى، يعني ودّك
يُمْنَع عنه حتى الماء والطعام علشان يموت، ولَّا يُقْتَل بالسيف أحسن، لكن وين..
الله المستعان.
طالب: اللي بيشرب خمر يا شيخ.
الشيخ: ويش فيه؟
طالب: إذا كان
واحد، يعني (...).
الشيخ: (
الحكمة في خلق
النجوم)، ويش الحكمة؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة: (
زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات
يُهْتَدَى بها)، ترى هذا ما نعلمه منها، ويجوز أن هناك أشياء ما نعرفها، إنما
التنجيم الذي يستدلون به على الحوادث الأرضية هذا لا شك أنه كذب.
(
الثانية:
الرد على مَن زعم غير ذلك)، منين نأخذه؟
طالب:
(
فمن تأول غير)..
الشيخ: من قول قتادة: (
فمن
تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلَّف ما لا علم له به)، (
الثالثة:
ذِكْر الخلاف في تعلُّم المنازل)، والصحيح؟
طالب:
جوازه.
الشيخ: جوازه، (
الرابع: الوعيد فيمن صَدَّقَ
بشيء من السحر ولو عَرَفَ أنه باطل) إي نعم، بشيء من التنجيم أو غيره، ولو عرف
أنه باطل، إذا صَدَّقَ به، كيف يُصَدِّق به وهو يعرف أنه باطل؟
طالب: (...).
الشيخ: ها.
الطالب: (...).
الشيخ: وهو يعلم أنه
باطل؟
طالب: (...).
الشيخ:
ها.
طالب: أقول لضرورته وحاجته (...).
الشيخ: لكن يُصَدِّق وهو يعلم إنه باطل؟
طالب: إي، محتاج.
الشيخ: ويش معنى
يُصَدِّق، ما هو معنى يُصَدِّق اللي يستعملونه؟ لو كان يستعمله صار نعم (...)،
الظاهر أن الشيخ رحمه الله.. نعم.
طالب: (...) تأثيره
(...).
الشيخ: إذا رأى تأثيره كيف يقول: إنه باطل؟
الظاهر أن مراد الشيخ رحمه الله أنه إذا صَدَّقَ ولو بلسانه فعليه الوعيد، حتى لو
كان يعتقد في قلبه أنه باطل، لكن صَدَّقَ به بلسانه، فإن عليه هذا الوعيد، وذلك
لأنه يؤدي إلى إغراء الناس به وبتعلُّمه وبممارسته.
باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
01:07:54
ثم قال: (
باب: ما جاء
في الاستسقاء بالأنواء).
الاستسقاء: طلب السُّقْيَا، مثلما يقال: الاستغفار
طلب؟
طلبة: المغفرة.
الشيخ:
المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستهداء: طلب
الهداية؛ لأن هذه المادة (استفعل) تدل في الغالب على الطلب، وقد لا تدل على الطلب،
قد تدل على المبالغة في الفعل، مثل: استكبر، ما هو معناه طلب الكِبْر، بل المعنى
أنه بلغ في الكبر غايته، الاستسقاء بالأنواء أن تطلب من الأنواء أن تسقيك.
وهذا
الاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
قسم يكون شركًا أكبر، وذلك بأن يدعو
الأنواء بالسقيا، فيقول: يا نَوْء كذا أَغِثْنَا، اسقنا، وما أشبه ذلك، فهذا أيش؟
شِرْك أكبر؛ لأنه دعاء غير الله، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر، قال الله تعالى:
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون: ١١٧]، فجعله الله تعالى كافرًا، وقال تعالى:
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) [الجن: ١٨]، وقال تعالى:
وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) [يونس: ١٠٦].
إلى غير ذلك من الآيات
الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله، وأنه من الشرك، هذا واحد.
ثانيًا:
من الاستسقاء بالأنواء أن ينسب نزول المطر إليها، إحنا قلنا أظن قسمين: شرك أكبر،
وشرك أصغر؛ الشرك الأكبر له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يدعو من الأنواء أن تسقيه،
وهذا شرك كما سمعتم.
الثاني: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها
الفاعلة بنفسها بدون الله، لو ما دعاها لكن قال: هي التي تنزل المطر دون الله، فهذا
أيضًا شرك أكبر في الربوبية، والأول في العبادة، المتضمن لشرك الربوبية شركه في
العبادة؛ لأن الدعاء من العبادة، مُتَضَمِّن للشرك في الربوبية؛ لأنه ما دعاها إلا
وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة، هذا القسم هو الشرك؟
طلبة: الأكبر.
الشيخ: الأكبر، وله
صورتان كما رأيتم.
القسم الثاني: أن يجعل هذه الأنواء سببًا والله تعالى هو
الفاعل الخالق، فهذا شرك أصغر وليس شركًا أكبر؛ لأنه ما اعتقد أن خالقًا مع الله،
ولا أن خالقًا مستقلًّا بالفعل دون الله، لكنه جعل ما ليس سببًا جعله سببًا، وهذا
نوع من الإشراك بالله عز وجل؛ لأنه لا يحل لك أن تجعل شيئًا سببًا، والله تعالى لم
يجعله سببًا، لا بوحيه ولا بقدره، كل من أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا لا بالوحي
ولا بالقدر فهو مشرك، لكن شركًا أصغر، فصار الاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
شرك أكبر، وشرك أصغر، والشرك الأكبر له صورتان: الصورة الأولى؟
طالب: أن يدعو الأنواء.
الشيخ: أن
يدعوها بالسقيا، يطلب منها أن تسقي، وهذا شرك في العبادة والربوبية
أيضًا.
والثاني: أن يعتقد، أو أن ينسب نزول المطر إليها على أنها هي الفاعلة
بنفسها دون الله، فهذا شرك أكبر أيضًا في أيش؟
طلبة: في
الربوبية.
الشيخ: في الربوبية، نعم.
القسم الثاني:
الأصغر، وهو أن يجعلها سببًا، والمسبِّب هو الله، والفاعل هو الله، والخالق هو
الله، لكن يقول: هي سبب، لَمَّا طلع نجم الإكليل نزل به المطر، هذا صحيح؟ لا، نجم
الإكليل والشولة والنعائم والسعد والسعود وغيره ما هي سبب، ليست سببًا؛ لأن الله ما
جعلها سببًا، فادعاؤنا أنها سبب قول على الله بلا علم، وإشراك به حيث أثبتنا سببًا
لم يجعله الله سببًا، ومن الذي يثبت الأسباب؟
طلبة:
الله.
الشيخ: الشرعية والكونية؟
طلبة: الله.
الشيخ: الذي يضعها
ويثبتها هو الله عز وجل، قال: (
وقول الله تعالى).
طالب: (...) في العقيدة.
الشيخ:
إي.
الطالب: شرك في الربوبية ولَّا؟
الشيخ: إي، من باب الشرك في الربوبية.
قال: (
وقول الله
تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٨٢])، (تجعلون) هذه من أفعال القلوب، أو من
أفعال التصيير؟
طالب: أفعال القلوب.
الشيخ: التصيير هو الأقرب، يعني تُصَيِّرُون رزقكم، والمراد
بالرزق هنا ما هو أعم من المطر، والمراد بالرزق هنا أي شُكْره، يعني تجعلون هذا
الرزق الذي يستوجب الشكر أنكم تُكَذِّبُون، هذا هو المفعول الثاني لأيش؟
طالب: لـ(تجعلون).
الشيخ:
لـ(تجعلون)، يعني: تجعلون رزقكم كونكم تُكَذِّبون بهذا الرزق أنه من الله، أو
تُكَذِّبون ما أمر الله بتصديقه، فالذي يقول: مُطِرْنَا بِنَوْء كذا، هذا كَذَّب
بأن الرزق من الله، والذي يقول: مُطِرْنا بفضل الله، لكنه يستعين به على معصية الله
فهذا أيضًا نوع من التكذيب. (...)
قوله:
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ،
تَجْعَلُونَ: تُصَيِّرون، فهي تنصب مفعولين؛
المفعول
الأول: رِزْق، والمفعول الثاني: (أنَّ) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعولًا
ثانيًا، والتقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تُكَذِّبُون.
قوله:
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، الرزق هو
العطاء، وما المراد به هنا؟ سياق الآية يدل على أن المراد به رزق العلم؛ لأنه قال
سبحانه وتعالى:
فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة: ٧٥ - ٨٢]، هذا
الحديث ويش يعني به؟ القرآن،
أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ،
مُتَخَوِّفُون، تخافونهم فتداهنونهم،
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، يعني تجعلون شُكْر ما رزقكم الله بهذا الحديث من
العلم والوحي أنكم تُكَذِّبون به، هذا هو ظاهر سياق الآية.
والمعنى الثاني: أن
المراد بالرزق المطر، وقد رُوِيَ في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه
ضعيف، إلا أنه صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية أن المراد بالرزق
المطر، وأن التكذيب به نسبته إلى الأنواء، وعلى هذا فيكون ما ساق المؤلف الآية من
أجله مناسبًا للباب تمامًا؛ لأنه قال: (
باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء)،
والقاعدة التي مشينا عليها في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين جميعًا
بدون منافاة؟
طالب: تُحْمَل عليهما.
الشيخ: فتُحْمَل عليهما جميعًا، وإن حصل بينهما منافاة طلب
المرجِّح، إي نعم.
معنى الآية الكريمة أن الله سبحانه وتعالى يُوَبِّخ هؤلاء
الذين يجعلون شكر الرزق التكذيبَ والاستكبار والبعدَ؛ لأن شكر الرزق يكون بالتصديق
والقبول، والعمل بطاعة الْمُنْعِم، لا أظن أن الفطرة تقبل أن تكفر من ينعم عليها،
فالفطرة والعقل والشرع كل منها يوجِب أن تشكر مَن ينعم عليك، سواء قلنا: إن المراد
به المطر الذي به حياة الأرض، أو قلنا: إن المراد به القرآن الذي به حياة القلوب،
فإن هذا من أعظم الرزق، فكيف يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعمة بالتكذيب، والعياذ
بالله؟
واعلم أن التكذيب نوعانح أحدهما: التكذيب بلسان المقال، والثاني: التكذيب
بلسان الحال، فالعاصي الذي يعصي الله عز وجل حقيقة حاله أنه مُكَذِّب بما رَتَّبَ
الله على هذه المعصية من العقوبة، ولهذا وعظ عمرُ بن عبد العزيز رحمه الله الناسَ
يومًا وقال لهم: أيها الناس، إن كنتم مُصَدِّقِين فأنتم حمقى، وإن كنتم مُكَذِّبِين
فأنتم هَلْكَى، صح؟ صحيح، الْمُصَدِّق أحمق، كيف يُصَدِّق ولا يعمل، والْمُكَذِّب
هالك، وهذا صحيح، كل إنسان عاصٍ نقول له: أنت الآن بين أمرين: إما مُصَدِّق بما
رُتِّبَ على هذه المعصية، أو مُكَذِّب، فإن كنت مُصَدِّقًا فأنت أحمق، كيف لا تعمل؟
كيف ما تخاف؟ وإن كنت غير مُصَدِّق فالبلاء أكبر، أنت هالك كافر.
طالب: (...) الأحمق؟
الشيخ: الأحمق
الذي لا يُحْسِن التصرف، الأحمق مثل الأَهْوَج، وما أشبه ذلك.
الطالب: يعني عند العامة الأحمق.
الشيخ: المجنون؟
الطالب: اللي
يزعل.
الشيخ: سريع الغضب يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا، ما هو بهذا.
وقوله: (
قال: وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ
الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُوهُنَّ» )، تقدم أن الرسول
عليه الصلاة والسلام دائمًا يقول: أربع، ثلاث، وما أشبه ذلك، يُعَيِّن العدد، وأن
الفائدة من ذلك ليست الحصر، لماذا لم تكن للحصر؟ لأن هناك أشياء غيرها تشاركها في
هذا المعنى، لكنه صلى الله عليه وسلم يقولها من باب حصر العلوم وجمعها، فإن حصر
العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد وما أشبه ذلك لا شك أنه مما يقرِّب الفهم، ويثبت
الحفظ، ولذلك -مثلًا- لو أعطيك مسائل مسرودة هكذا يمكن تضيع عنك، لكن لو أقول لك:
هذه أربع مسائل، إذا عرفت ثلاثًا تجري تدوّر الرابع ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: تجري تدوّر
الرابع، لو أقول لك -مثلًا-: شروط الصلاة كذا وكذا وكذا وكذا وكذا بس، يمكن تضيِّع
ولا تفهم إنه ضاع منك شيء، إذا قلت -مثلًا-: شروط الصلاة تسعة، معناه إذا إنك عرفت
ثمانية؟ تدوّر التاسع، فإذن تقريب العلم بالتقسيم والعدد هذا لا شك أنه طريق مألوف
من عهد النبي عليه الصلاة والسلام إلى اليوم.
قوله: (
أربع من أمر
الجاهلية)، (
أمر) هنا بمعنى شأن، فهو واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛
لأن الأمر اللي هو واحد الأوامر ويش معناه؟ طلب الفعل على وجه الاستعلاء، لكن هذا
واحد الأمور، أي: الشأن من أمر الجاهلية، إضافتها إلى الجاهلية لا شك أن الغرض منها
التقبيح والتنفير، أمر الجاهلية؛ لأن كل إنسان يقال: فعلك فعل جاهلية، لا شك أنه
يغضب؛ إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصَف بالجهل، ولا بأن فعلَه من أفعال الجاهلية،
فالغرض من الإضافة هنا أيش؟ التنفير، هذه واحدة.
ثانيًا: الغرض من هذا بيان أن
هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان؛ إذ ليست أهلًا لأن يراعيها الإنسان أو يعتني
بها، فالذي يعتني بها جاهل.
والمراد بالجاهلية هنا ما قبل البعثة؛ لأنهم كانوا
على جهل وضلال عظيم، حتى إن العرب قبل البعثة أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين،
والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن، لكن لما
بُعِثَ فيهم هذا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ماذا فعل؟
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران: ١٦٤]، هذه المنة العظيمة بعث فيهم هذا النبي
عليه الصلاة والسلام لهذه الأمور السامية؛ يتلو عليهم آيات الله،
وَيُزَكِّيهِمْ: يُطَهِّر أخلاقهم، وعباداتهم، وينميها،
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، فوائد أربعة عظيمة
لو وُزِنَت بها الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند مَن يعرف قدرها.
ثم بَيَّن
الحال من قبل، قال:
وَإِنْ كَانُوا، (إن) هذه ما هي
بنافية، (إن) هذه مؤكَّدة فهي مُخَفَّفَة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل
لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، إذن المراد بالجاهلية ما هي؟ ما
قبل البعثة؛ لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، وقد سبق لنا أمثلة كثيرة تدل على
جهلهم في حقوق الله، وفي حقوق عباد الله؛ في حقوق الله يَنْصِبُون الأنصاب
ويعبدونها من دون الله، أنصاب أحجار، يصنعون بأيديهم أصنامًا فيعبدونها وما أجهلهم!
يكون الخالق عابدًا للمخلوق! أو لا؟ هم الذين صنعوها بأيديهم ثم يذهبون يعبدونها.
أيضًا يقتل الواحد منهم ابنته خوفًا من أن يُعَيَّر بها، ابنته اللي هي بَضْعَة
منه وجزء منه يقتلها لئلا يُعَيَّر بها، يقال: فلان مسكين، جاه اليوم بنت! جهل آخر:
يقتلون الأولاد من ذكور وإناث خشية الفقر، الإملاق يعني الفقر، وهذا من الجهل
العظيم، وأشياء كثيرة من جهلهم.
(
من أمر الجاهلية لا يتركونهن)، ليس
المراد (
لا يتركونهن): لا يتركون كل واحد منها باعتبار كل فرد، المراد
المجموع بالمجموع، يعني: قد يكون واحد منها عند جماعة، وواحد عند آخرين، والثالث
عند قوم آخرين، والرابع عند قوم آخرين أيضًا، وقد تجتمع هذه الأربعة في في قبيلة
واحدة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعًا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد منها
شيء من ذلك؛ لأن هذا خبر منين؟ من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، أن يَصْدُق
مُخْبَره وأن يقع، ثم المراد بهذا الخبر حِلّ هذا الشيء أو التنفير منه؟
طلبة: التنفير.
الشيخ: التنفير منه؛
لأن الرسول قد يخبر بأشياء تقع، ليس غرضه أن يقول للناس: استسلموا للواقع، أو خذوا
بهذا الأمر، قال:
«لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ» ، اليهود
والنصارى، يعنى: فافعلوا؟ لا، يعني: فاحذروا، وأخبر
«أَنَّ
الظَّعِينَةَ تَذْهَبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا تَخْشَى إِلَّا
اللَّهَ» ، يعني:
فلتفعل وتروح بلادًا بلا مَحْرَم؟ لا، هذا خبر عن أمر واقع، وليس معناه أنه يحكم
على الشرع، الشرع يحكم على الواقع ولا عكس.
وقوله: (
من أمتي)، من المراد
بالأُمَّة هنا؛ أمة الإجابة أو أمة الدعوة؟
طالب:
الإجابة.
الشيخ: أمة الإجابة.
وهي قال: (
الفخر
بالأحساب) الفخر معناه التعالي والتعاظم، والباء هنا للسببية، أو للتعليل،
يعني: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه.
والحسب: ما يحتسب به الإنسان من شرف وسؤدد
يفخر به، يكون -مثلًا- من بني هاشم، فيفخر بأنه هاشمي؛ لشرف نسبه، يكون أجداده
مشهورين بالشجاعة والإقدام يفخر ولَّا لا؟
طالب:
نعم.
الشيخ: يفخر؛ لأنه يحتسب بشرف آبائه، يكون آباؤه
مشهورين بالكرم يفخر بذلك، إلى غير هذا مما يحتسب به الإنسان من الشرف والسؤدد،
تجده يفخر به ويتعاظم على خلق الله، وهذا من أمر الجاهلية؛ لأن الفخر في الحقيقة
ليس في هذا ، الفخر بتقوى الله التي تمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والإنسان
المتقي حقيقةً العاقل حقيقةً هو الذي كلما ازدادت نِعَم الله عليه ازداد تواضعًا
للحق وللخلق، والله تعالى ما مدح الإنسان الذي يتعاظم إذا رأى نفسه قد استغنى، بل
ذَمَّه،
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: ٦، ٧] إذن الفخر بالحسب مِن صنع مَن؟
طلبة: الجاهلية.
الشيخ: الجاهلية،
ولا يجوز لنا أن نفعل فعل الجاهلية؛ لأن الله يقول لنساء الرسول صلى الله عليه
وسلم:
وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى [الأحزاب: ٣٣]، فعُلِم أن كل ما يُنْسَب للجاهلية فهو مذموم
مَنْهِيّ عنه.
طالب: يا شيخ، قول الرسول:
«أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبَ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ» .
الشيخ: إي نعم، هذا مثل ما قال:
«أَنَا
سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» ، ما قاله يفتخر به، أو يقال:
إنه قاله في مقام الحرب والقتال، في مقام الحرب والقتال لا بأس أن يفتخر به
الإنسان، ولهذا أُجِيزَ فيه مشية الخيلاء، وأُجِيزَ فيه لباس الحرير عند كثير من
أهل العلم، ولبس ريش النعام، وما أشبه ذلك لأجل إغاظة؟
طالب: الأعداء.
الشيخ: الأعداء، إي
نعم.
طالب: شيخ، قوله: هذا كبير، وهذا صغير، ما هو فخر
بالأنساب؟
الشيخ: إذا قالها تفاخرًا فلا شك أن هذا خطأ،
مثل لو قال واحد: أنت، بس بيجينا عند الطعن بالنسب، بيجينا قريبًا، إنما إذا كانت
على سبيل التفاخر، أما على سبيل الخبر فلا بد من هذا، يقول: أنا من تميم، وهذا
يقول: أنا من هوازن، وهذا يقول: أنا من هذيل، وهذا: أنا من ربيعة، لا بد أن يقول
هذا.
طالب: لا، يقول: هذا كبير يُزَوَّج، هذا
صغير..
الشيخ: مسألة هذا الزواج شيء آخر، وتقدمت لنا
أظن في كتاب النكاح، وبَيَّنَّا أن الكفاءة المعتبرة شرعًا هي الدين والْخُلُق،
والباقي ما هي إلا عادات فقط، وبَيَّنَّا فيما سبق هناك أن القول بأن الكفاءة في
المنصب أنه قول ضعيف، اشتراط ذلك لصحة النكاح قول ضعيف.
طالب: مثل هذا ما يدخل فيه الباب ذا.
الشيخ: ما هو بالظاهر أنه يدخل في هذا؛ لأنهم مو يقولون على سبيل
التفاخر، فإن كان على سبيل التفاخر قال: أنا ما أُزَوِّجك لأني أعلى منك، دخل في
هذا الباب.
طالب: هو يقول بلسان الحال، لا يقول بلسان
المقال.
الشيخ: الله أعلم، لا، هو أحيانًا يقول هذا
بلسان الحال، كما قلت، يعني لأنه أعلى منه، وأحيانًا يريد الناس أن يحفظوا أنسابهم،
ولهذا دائمًا يستدل: فلان ما هو؟ قَبِيلِي ولَّا خَضِيري؟ قال: لا، هذا قَبِيلِي؛
لأنه متزوج من آل فلان، فيكون هذا من أسباب حفظ النسب، والله أعلم، على كل حال هي
عادة اتخذت، وبعض العلماء جعلها من الأمور المعتبرة، والصحيح أنها ما هي معتبرة كما
تقدم، هذه واحدة.
ثانيًا: (
الطعن في الأنساب)، الطعن بمعنى العيب؛ لأنه
العيب وَخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، فلهذا سُمِّيَ العيب طعنًا.
والأنساب
جمع نَسَب، ومن هم النسب؟ النسب أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه ، مثلًا يقول:
أنت ابن الدبَّاغ، يطعن في نسبه، أنت ابن مُقَطِّعَة البظور، مُقَطِّعة البظور
يعني؟
طالب: تختن.
الشيخ:
التي تختن النساء، البظر شيء في فرج المرأة يُقْطَع في الختان؛ ختان النساء،
ويعيبون الإنسان بأنه ابن مُقَطِّعَة البظور، والبظور بالظاء الْمُشَالة كالطاء،
المهم أن هذا الطعن في النسب، ومنه أيضًا إذا قال: أنت خَضِيري ما لك أصل، ولهذا
قيل لبعضهم: ما تقول في الْخَضِيرية؟ قال: أقول: إنهم من احتلام آدم، احتلم آدم
فوُلِدُوا من احتلامه، أعوذ بالله، يعني بعض الناس عندهم غُشْم، ولا شك أن هذا خطأ،
لكن الْخَضِيري هو الذي لا ينتسب إلى قبيلة من قبائل العرب، يكون من الموالي، بعد
الفتوحات الإسلامية اختلط هؤلاء بهؤلاء، فكان مَن لم يكن مشهورًا بقبيلة من قبائل
العرب ينتسب إليها يسمونه خَضِيريًّا، وخَضِيري وقَبِيلِي أهون من قولة بعض الناس:
شيخ وعبد، الشيخ هو القَبِيلي، والعبد الْخَضِيري، إي نعم.
وعلى كل حال اللي
يطعن بنسب إنسان لأنه ليس من القبائل المعروفة في العرب داخل في هذا الحديث، فلا
يجوز الطعن بالنسب، والإنسان لا يشرُف بنسبه، صحيح أن شرف النسب مع التقوى أنه نور
على نور، لكن إذا لم يكن عنده تقوى فماذا ينفعه نسبه؟ لا ينفعه شيئًا،
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَلأي شيء؟ لتفاخروا؟
لِتَعَارَفُوافقط،
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣].
أما مسألة إن هذا خَضِيري وهذا قَبِيلِي هذا ليس بصحيح، ولا شك أنا ما أقول
ولا أنكر أن للنسب أثرًا في شرف الإنسان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي
إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ
قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» ، ولا شك -كما قال
شيخ الإسلام- إن العرب أفضل من حيث الجنس من غيرهم، أفضل وأكمل وأعقل، ولهذا اختار
الله عز وجل أن يكون رسوله منهم، ولكن ليس معنى ذلك أننا نجعل هذا الأمر يطغى على
الفضل الحقيقي وهو؟
طالب: التقوى.
الشيخ: فضل الإيمان والتقوى، والطعن بالأنساب الثالث..